ابن أبي الحديد

319

شرح نهج البلاغة

ومن كلامهم : ما خلا جسد عن حسد . وحد الحسد هو أن تغتاظ مما رزقه غيرك ، وتود أنه زال عنه وصار إليك . والغبطة ألا تغتاظ ولا تود زواله عنه ، وإنما تود أن ترزق مثله ، وليست الغبطة بمذمومة . وقال الشاعر : حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه * فالكل أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها * - حسدا وبغيا - إنه لدميم ( 1 ) * * * [ فصل في مدح الصبر وانتظار الفرج وما قيل في ذلك من الكلام ] واعلم أنه عليه السلام بعد أن نهى عن الحسد أمر بالصبر وانتظار الفرج من الله ، أما بموت مريح ، أو بظفر بالمطلوب . والصبر من المقامات الشريفة ، وقد ورد فيه آثار كثيرة ، روى عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله : " إن الصبر نصف الايمان ، واليقين الايمان كله " . وقالت عائشة : لو كان الصبر رجلا لكان كريما . وقال علي عليه السلام : الصبر إما صبر على المصيبة ، أو على الطاعة ، أو عن المعصية ، وهذا القسم الثالث أعلى درجة من القسمين الأولين . وعنه عليه السلام : الحياء زينة والتقوى كرم ، وخير المراكب مركب الصبر . وعنه عليه السلام : القناعة سيف لا ينبو ، والصبر مطية لا تكبو ، وأفضل العدة الصبر على الشدة . قال الحسن عليه السلام : جربنا وجرب المجربون ، فلم نر شيئا أنفع وجدانا ، ولا أضر فقدانا من الصبر ، تداوى به الأمور ، ولا يداوى هو بغيره .

--> ( 1 ) لأبي الأسود الدؤلي ، ملحق ديوانه 51 .